ابن خلكان
39
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
قال أبو الحسن المدائني : لما ظفر الحجاج بأصحاب ابن الأشعث ، جلس لضرب أعناقهم عامة النهار ، فأتي آخرهم برجل من بني تميم قال له : واللّه يا حجاج لئن كنا قد اسأنا في الذنب لما أحسنت في العقوبة ، فقال الحجاج : أف لهذه الجيف أما فيها رجل يحسن مثل هذا ؟ وعفا عنه « 1 » . ولما حضر الشعبي بين يدي الحجاج سلم بالإمرة ثم قال : أيها الأمير ، إن الناس قد أمروني أن أعتذر إليك لغير ما يعلم اللّه أنه الحق ، وأيم اللّه لا أقول في هذا المقام إلا حقا ، قد واللّه خرجنا عليك واجتهدنا كل الجهد فما ألونا فما كنا بالفجرة الأقوياء ولا البررة الأتقياء ، ولقد نصرك اللّه علينا وظفّرك بنا ، فإن سطوت فبذنوبنا وما جرت إلينا أيدينا ، وإن عفوت عنا فبحلمك وبعد الحجة لك علينا ، فقال له الحجاج : أنت واللّه أحب إليّ ممن يدخل علي يقطر سيفه من دمائنا ثم يقول ما فعلت وما شهدت ؛ قد أمنت عندنا يا شعبي ، فانصرف « 2 » . وقال الشعبي : سمعت الحجاج تكلم بكلام ما سبقه إليه أحد ، يقول : أما بعد ، فإن اللّه كتب على الدنيا الفناء وعلى الآخرة البقاء ، فلا فناء لما كتب عليه البقاء ، ولا بقاء لما كتب عليه الفناء ، فلا يغرّنّك شاهد الدنيا عن غائب الآخرة واقهروا طول الأمل بقصر الأجل . وكان إبراهيم النخعي هاربا من الحجاج مدة أيامه ثم ظهر بعده فقيل له : أين كنت ؟ قال : بحيث يقول الشاعر : عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى * وصوّت إنسان فكدت أطير وذكر الحسن بن محمد بن هلال الصابىء أن الحجاج انفرد يوما عن عسكره فمر برجل يسقي ضيعة له ، فقال له : كيف حالكم مع أميركم ؟ فقال : لعنه
--> ( 1 ) ورد بعد هذا الموضع في النسخة ر : وأتي الحجاج بامرأة من الخوارج فجعل يكلمها وهي لا تنظر إليه ، فقيل : الأمير يكلمك وأنت لا تنظرين إليه ، قالت : إني أستحيي أن أنظر إلى من لا ينظر اللّه إليه . ( 2 ) وردت هذه القصة عن الشعبي في النسخة د على نحو مغاير وهي هنالك متفقة مع ما جاء في تهذيب ابن عساكر 7 : 150 - 151 .